فصلٌ في ذكر بركة زمان المطر واغتنام أيام شهر ساون في الطاعة
- Get link
- X
- Other Apps
الحمدُ للهِ الذي جعلَ الأزمانَ مواضعَ للنفحات، وخصَّ بعضَ الأوقاتِ بمزيدِ البركات، أحمدُه سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً تُنجي قائلَها يومَ اللقاء، وأشهد أن سيدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه، المبعوثَ رحمةً للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
اعلم ـ وفقني الله وإياك ـ أن تعظيمَ الزمان من تعظيمِ شعائرِ الله، وأن العاقلَ من اغتنم مواسمَ الخير قبل فواتها، فإن الأيامَ خزائنُ للأعمال، والسعيدُ من ملأها بطاعةِ الملكِ العلام. ومن جملةِ الأوقات التي يشهدها الناسُ في بلادِ الهند وما حولها زمانُ ساون، وهو زمنُ كثرةِ الأمطار، ونزولِ الغيث، وانتشارِ الرحمةِ في الآفاق.
وليس ساون شهرًا مستقلًّا في حسابِ الشريعة، غير أنه كثيرًا ما يوافق أشهرًا عظيمةَ الحرمةِ والقدر، كالمحرَّم وذي القعدة، وهما داخلان في الأشهرِ الحُرُم التي عظَّمها الله تعالى في كتابه العزيز.
قال الله سبحانه وتعالى:
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾
(التوبة: 36)
فهذه الآيةُ أصلٌ في بيانِ فضلِ بعضِ الأزمنة، وأن العملَ الصالحَ فيها أعظمُ أجرًا، كما أن الذنبَ فيها أشدُّ وزرًا. فإذا اجتمع شرفُ الزمان مع حضورِ القلب، كان ذلك سببًا للفلاحِ في الدارين.
ذكرُ المطر وكونِه رحمةً من الله
واعلم أن المطرَ في لسانِ القرآنِ دليلُ الرحمةِ والإحياء، وبه تضربُ الأمثالُ في بعثِ القلوب بعد قسوتها، كما تُبعثُ الأرضُ بعد موتها.
قال الله تعالى:
﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾
(الشورى: 28)
وقال عز وجل:
﴿فَانظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾
(الروم: 50)
فكما أن الأرضَ لا تحيا إلا بالماء، فكذلك القلوبُ لا تحيا إلا بذكرِ الله، والتوبةِ إليه، وكثرةِ الاستغفار، لا سيما في أوقاتٍ تتنزلُ فيها الرحماتُ ظاهرةً وباطنة.
في الحثِّ على العبادة واغتنام الوقت
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾
(الأحزاب: 41)
وكان السلفُ الصالحُ ـ رحمهم الله ـ إذا أقبلت مواسمُ الخير شدُّوا المآزرَ، وأقبلوا على الله بقلوبٍ خاشعة، يرجون رحمته، ويخافون عذابه. فحقيقٌ بالمؤمن أن يجعلَ أيامَ المطر وسكونَ الليالي معينًا له على كثرةِ الذكر، وتلاوةِ القرآن، وصلاةِ النوافل.
وقال تعالى في شأنِ قيامِ الليل:
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَىٰ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾
(الإسراء: 79)
في الصدقة والإحسان زمنَ الحاجة
ومن أعظمِ القُرَب في هذه الأوقات مواساةُ الفقراء، والشفقةُ على المساكين، فإن مواسمَ الأمطار قد تشتدُّ فيها حاجةُ الضعفاء.
قال الله تعالى:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾
(البقرة: 261)
في التوبة وتجديد العهد مع الله
قال الله سبحانه:
﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
(النور: 31)
فطوبى لمن جعل هذا الزمانَ محطةً لمحاسبةِ النفس، وتركِ الذنوب، وتجديدِ العهد مع الله، فإن القلوبَ تُغسل بالتوبةِ كما تُغسلُ الأرضُ بالمطر.
خاتمة
فهذا زمانٌ شريفٌ لمن عرف قدرَه، وغنم أيامَه ولياليَه في الطاعة، ومن ضيَّعه فقد حرم نفسَه خيرًا كثيرًا. نسألُ اللهَ تعالى أن يجعل أوقاتَنا عامرةً بذكره، وأن يحيي قلوبَنا بالإيمان، كما يحيي الأرضَ بالغيث، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
- Get link
- X
- Other Apps
Comments
Post a Comment